الأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسية لتصريحات رئيس جهة العيون الساقية الحمراء حول الإطار المجالي لمبادرة الحكم الذاتي: تنازع السيادة القانونية والمصالح النخبوية في الأقاليم الجنوبية
بقلم: الشريف خوجاني
عضو مرصد الجنوب للدراسات
والأبحاث والتنمية المستدامة
I. السياق الجيوسياسي والدستوري للخلاف: التأويل بين القانون والسيادة
تعتبر الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، بما فيها جهتا العيون الساقية الحمراء وگلميم وادنون، مسرحاً لديناميكيات سياسية واقتصادية معقدة تتشابك فيها الأبعاد الوطنية السيادية مع التحديات الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها حمدي ولد الرشيد، رئيس جهة العيون الساقية الحمراء وأحد أبرز رموز النفوذ في الصحراء، حول تحديد النطاق الجغرافي لمشروع الحكم الذاتي، جدلاً واسعاً وعميقاً، كاشفاً عن توترات بين الالتزام بالمعايير القانونية الدولية والتطلعات الوطنية للوحدة الشاملة.[1, 2]
1.1. تصريحات ولد الرشيد: التأويل الضيق للحدود القانونية للنزاع
تمحور جوهر تصريح حمدي ولد الرشيد حول تحديد النطاق الجغرافي لمشروع الحكم الذاتي بشكل حصري وضيق. حيث أكد ولد الرشيد، في تصريحاته التلفزيونية، أن جهة گلميم وادنون تقع "خارج مشروع الحكم الذاتي"، مشدداً على أن النزاع يبدأ فقط من منطقة الطاح في إقليم طرفاية (التابعة لجهة العيون الساقية الحمراء) ويمتد حتى الكويرة.[1] وأشار إلى أن هذا المجال الجغرافي مؤطر قانوناً ومحدد لدى الأمم المتحدة.[1]
ويقوم هذا الموقف على خلفية قانونية بحتة، مفادها أن المنطقة المعنية بالنزاع الدولي، والتي يقترح المغرب بشأنها الحكم الذاتي، هي ما كان يعرف تاريخياً وجغرافياً بـ "الصحراء الإسبانية" أو "الصحراء الغربية".[2] ومن هذا المنطلق الإداري والتاريخي المحدود، فإن جهة گلميم وادنون، التي استُرجعت أقاليمها في مراحل سابقة ولم تكن جزءاً من الإقليم المتنازع عليه دولياً بصفته مستعمرة إسبانية سابقة، تُعتبر "خارج السياق" الحكم الذاتي من الناحية القانونية الضيقة.[2]
وقد جاء هذا التصريح في لحظة دقيقة وحاسمة تمر بها قضية الصحراء، خاصة بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي لقرارات مهمة (مثل القرار 2797) التي كرست مخطط الحكم الذاتي كـ "الحل الواقعي والأنسب" لتسوية النزاع، معتبراً إياه القاعدة الوحيدة للمفاوضات.[3, 4, 5] وتؤكد المرجعية الدبلوماسية المغربية أن هذه اللحظة (ما بعد 31 أكتوبر) تمثل "مرحلة حسم" تتطلب توحيد الصف.[6] لكن طريقة طرح ولد الرشيد لهذه الحدود جاءت بنبرة "واثقة" و"متعالية"، مما استفز النخب في گلميم وادنون التي رأت فيه محاولة لإعادة ترسيم حدود الانتماء وتقزيم دور الجهة.[1, 2]
1.2. الإطار المرجعي الوطني: رؤية الدولة الرافضة للتجزئة
في المقابل، شكلت ردود الفعل من نخب گلميم وادنون، وعلى رأسها النواب البرلمانيون والمنتخبون، جبهة موحدة لرفض هذا التفسير الضيق، مؤكدة على تغليب الرؤية السيادية والدستورية للمملكة على الاجتهادات الإقليمية. فقد خرج نواب حاليون وسابقون، مثل محمد الصباري، محمود عبا، ومحمد أبودرار، ليعلنوا رفضهم القاطع لأي محاولة لفصل الجهة عن امتدادها التاريخي والسياسي.[1, 2]
ركز الرد النخبوي لجهة گلميم وادنون على أن ملف الحكم الذاتي "ليس مجرد مقترح سياسي أو ترتيبات إدارية عابرة، بل هو ورش استراتيجي وسيادي بامتياز".[7] وشددوا على أن هذا الورش يندرج في صميم رؤية الدولة المغربية كما حدد معالمها جلالة الملك محمد السادس، برؤية "موحدة وواضحة لا تقبل التجزيء ولا التأويلات الفردية".[1, 7] واعتبروا أن تحويل هذا الورش الوطني إلى موضوع للاجتهادات الشخصية، مهما كان موقع أصحابها، هو "خطأ منهجي جسيم".[7]
تؤكد هذه الردود أن الهدف الجوهري من مبادرة الحكم الذاتي ليس إعادة رسم الخريطة الإدارية الداخلية، بل هو "صيغة سياسية نهائية ومبتكرة" لإنهاء نزاع مفتعل.[7] وفي هذا الإطار، تشدد الجهات المعارضة لولد الرشيد على أن السياسة المغربية تعتبر الجهات الجنوبية الثلاث (بما فيها گلميم وادنون) جزءاً لا يتجزأ من الامتداد التاريخي والبشري للمملكة.[7, 8] ويتجلى تأكيد الإرادة الملكية لدمج جميع الأقاليم في النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي أطلق عام 2015 ورصد له غلاف مالي ضخم يقدر بـ 77 مليار درهم، وشمل الجهات الثلاث دون استثناء.[9, 10]
إن تحليل هذا الخلاف يكشف عن ازدواجية استراتيجية قائمة في الخطاب المغربي. فالدولة المغربية تجد نفسها مضطرة للتعامل مع معيارين جغرافيين متناقضين في آن واحد: أولهما، المعيار الدولي الذي يركز على الحدود الاستعمارية السابقة للصحراء الإسبانية، وهو المعيار الذي يدعم جزئياً تفسير ولد الرشيد القانوني. وثانيهما، المعيار الوطني الذي يقوم على مبدأ العدالة المجالية والوحدة الترابية التاريخية، وهو ما يدحض التفسير الضيق.[7, 8] إن استغلال ولد الرشيد لهذا التناقض يضع الدولة في موقف حرج داخلياً، حيث يبدو أن الالتزام الشكلي بالقانون الدولي يمكن أن يُفسر كتعارض مع مبدأ الوحدة الوطنية الشاملة. علاوة على ذلك، فإن لجوء نخب گلميم إلى توصيف الحكم الذاتي بأنه "ورش سيادي" ورفض "التأويلات الفردية" [7] يمثل محاولة لإعادة مركزة الخطاب السياسي حول المؤسسة الملكية ورؤيتها العليا، بهدف تحييد النفوذ السياسي والقبلي القوي لولد الرشيد في المنطقة، وتجريد تصريحه من أي غطاء رسمي للدولة.
II. التفكيك القانوني والسيادي للجدل: مسألة الحدود والشرعية
يلامس الجدل الدائر حول الحدود الجغرافية للحكم الذاتي صميم التحديات القانونية والسيادية التي تواجهها الدولة المغربية في ملف الصحراء. فالخلاف لا يتعلق فقط بالحدود الإدارية الحالية، بل بالشرعية التي يستمد منها الحكم الذاتي نطاقه الجغرافي.
2.1. حدود "الصحراء الإسبانية" في القانون الدولي مقابل التقسيم الإداري
من الناحية القانونية البحتة، يدور النزاع الأممي حول الإقليم الذي كان يُعرف باسم "الساقية الحمراء ووادي الذهب". هذا الإطار القانوني الدولي يستثني جغرافياً أجزاء واسعة من جهة گلميم وادنون، مثل أقاليم گلميم وآسا الزاك وطانطان، التي تقع شمال الحدود الإدارية للصحراء الإسبانية السابقة. هذا المعطى هو ما جعل ولد الرشيد يشدد على أن النزاع يبدأ من الطاح [1]، وهو تحديد جغرافي منطقي من حيث التحديد القانوني الضيق للإقليم المعني بالنزاع لدى الأمم المتحدة.[2]
إلا أن الرؤية المغربية الشاملة للصحراء بعد 2015 تجاوزت هذه الحدود الاستعمارية الضيقة. فقد تبنت الدولة المغربية تقسيماً جهوياً جديداً يهدف إلى تعزيز اللامركزية وتفعيل الجهوية المتقدمة، حيث دُمجت گلميم وادنون كجهة قائمة بذاتها، تقع جغرافياً في قلب الأقاليم الجنوبية، ولها امتدادات عميقة داخل جهة العيون الساقية الحمراء.[11] مبادرة الحكم الذاتي لعام 2007 تشير إلى "جهة الصحراء"، والإطار العام للتفاوض يخص الإقليم المتنازع عليه [12, 13]، لكن الدولة المركزية لم تصدر إعلاناً رسمياً يستثني جهة إدارية بأكملها من إطار الحكم الذاتي، بل تؤكد على الوحدة الترابية من طنجة إلى الكويرة.[6]
2.2. رفض التجزئة وتداعيات الاجتهاد الفردي
تؤكد الردود السياسية على تصريحات ولد الرشيد أن التفسير القانوني الضيق للمبادرة يمثل خطراً دبلوماسياً داخلياً لا يستهان به. فتشديد نخب گلميم على أن خطاب تجزئة الأقاليم الجنوبية "يفتقر للنضج السياسي ويخدم فقط خصوم الوحدة الترابية" [8]، يربط مباشرة بين التصريح الداخلي والضرر الذي يمكن أن يلحق بالموقف الدبلوماسي المغربي الخارجي في مرحلة حساسة. هذا الاتهام الضمني لزعزعة الجبهة الداخلية في مرحلة الحسم السياسي [6] يهدف إلى عزل ولد الرشيد عن الرؤية السيادية العليا.
الأمر الآخر المهم هو أن المغرب، بعد قرار مجلس الأمن الأخير الذي دعم مقترح الحكم الذاتي [5, 6, 14]، دخل في مرحلة "تحيين وتفصيل" المبادرة الأصلية لعام 2007، وذلك بأمر ملكي، مع إطلاق مشاورات وطنية واسعة حضرها رؤساء الأحزاب.[5, 15] هذه الخطوة تؤكد أن تحديد الإطار التفصيلي للحكم الذاتي، بما فيه حدوده الإدارية الداخلية وآليات تطبيقه، هو مسؤولية مؤسسات الدولة العليا عبر المشاورات، وليس اجتهاداً شخصياً أو تصريحاً ارتجالياً من رئيس جهوي.[7] إن الردود البرلمانية والسياسية المكثفة والعلنية [1, 8] تمثل ضرورة سياسية لإعادة ضبط الميزان وتوحيد الخطاب الرسمي والترابي لتعزيز وحدة الصف الوطني.[8]
إن محاولة ولد الرشيد لحصر حدود الحكم الذاتي بشكل حصري (الطاح – الكويرة) [1] هي في الواقع تكتيك للتحكم في السردية السياسية المستقبلية للمنطقة. فالحكم الذاتي، وفق المبادرة، سيتضمن منح سلطات واسعة ذات طبيعة تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة للجهة.[5, 13] وبتحديد هذا النطاق بشكل ضيق، يحاول ولد الرشيد ضمان أن تكون مؤسسات الحكم الذاتي القادمة تحت سيطرة النخبة القبلية والسياسية المهيمنة حالياً في العيون والساقية الحمراء. وإذا تم استثناء گلميم وادنون، فإن الصلاحيات والموارد لن تشملها، مما يضمن احتكار العيون للمكاسب السياسية والاقتصادية الناتجة عن الورش السيادي. يكشف هذا الخلاف العميق أيضاً عن التحدي القائم في المواءمة بين القوانين المغربية الداخلية (مثل التقسيم الجهوي لسنة 2015 والقانون التنظيمي للجهات [16]) وبين الإطار القانوني الدولي للنزاع. فولد الرشيد يختار تفضيل المعيار الدولي، بينما نخب گلميم تصر على تغليب المعيار الدستوري والسيادي الداخلي.
وللتوضيح، يقدم الجدول التالي مقارنة بين الإطارين القانونيين المتنافسين:
الإطار المجالي والقانوني للجهات الجنوبية: الصراع على التعريف
III. التنافس المجالي: صراع النخب والمصالح الخاصة (الدافع النخبوي)
إن التصريحات المتعلقة بإقصاء جهة گلميم وادنون، رغم ارتكازها على تأويل قانوني ضيق، لا يمكن تفسيرها بمعزل عن التنافس الحاد على النفوذ المجالي والموارد الاقتصادية بين النخب الإقليمية في الأقاليم الجنوبية، وعلى رأسها عائلة آل الرشيد في العيون.
3.1. تحليل النفوذ النخبوي لجهة العيون: آل الرشيد والهيمنة المجالية
تتمتع عائلة آل الرشيد بنفوذ سياسي واقتصادي استثنائي في الأقاليم الجنوبية. فحمدي ولد الرشيد ليس فقط رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، بل هو أيضاً قيادي بارز في حزب الاستقلال وعضو لجنته التنفيذية.[4, 18] هذا النفوذ يضمن هيمنة تقليدية راسخة على مقاليد الحكم والتمثيل السياسي في المنطقة.
إن جهة العيون الساقية الحمراء هي حالياً المستفيد الأكبر والأكثر تقدماً في تنفيذ النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي انطلق في 2015.[9, 10] وقد رصد لهذا النموذج غلاف مالي يقدر بـ 77 مليار درهم.[10] وبفضل هذه الاستثمارات، أصبحت العيون قطباً استثمارياً عالمياً تنافسياً ومنفتحاً على العمق الإفريقي.[10] وتشمل المشاريع الضخمة التي يتم إنجازها في العيون والطاقة المتجددة (التي تبلغ طاقتها المركبة 1268 ميغاواط، موزعة على محطات هيكلية كبرى مثل أخفنير، طرفاية، وأفتيسات) والاقتصاد الأزرق.[17]
الهدف الأعمق من التصريح إذن هو حماية هذه المكاسب الاقتصادية وتأكيد أن جهة العيون، بصفتها القلب النابض للاستثمار والتنمية، هي المعنية حصرياً بـ "المنافع السيادية" المترتبة على نظام الحكم الذاتي. إذا تم دمج گلميم وادنون في إطار الحكم الذاتي، فإن ذلك يعني بالضرورة تقاسم هذه الصلاحيات والموارد المستقبلية، وهو ما تسعى النخبة في العيون إلى تجنبه لترسيخ مركزية نفوذها الاقتصادي.
3.2. مكانة گلميم وادنون وتحدي التوازنات التقليدية
في المقابل، تشهد جهة گلميم وادنون تحولات داخلية في ميزان القوى القبلية والسياسية.[19] فبينما كانت بعض القبائل تهيمن تقليدياً على مناصب التسيير، ظهرت نخب جديدة، كقبيلة أيت أوسى ونوابها (مثل محمود عبا)، استثمرت في التعليم وتكوين النخبة الإدارية والسياسية.[19] هذه النخبة الجديدة تستخدم خطاباً مهنياً يرفض "الإرهاق السياسي" للوجوه التقليدية.[19]
رد نخب گلميم على ولد الرشيد يعكس سعي هذه النخب لترسيخ مكانتها السياسية ضمن الورش الوطني. فالجهة تُعرف تاريخياً بأنها "باب تاريخي للصحراء" [2]، وتطمح لاستقطاب الاستثمارات الكبرى. ورغم أن گلميم أطلقت بدورها مشاريع تنموية في البنية التحتية والخدمات الاجتماعية [11]، فإن حجم هذه المشاريع لا يقارن بالتركيز الاستثماري الهائل في العيون.[10] ولذلك، فإن التنافس يتركز حول من سيصبح القاطرة الاقتصادية ومن سيتحكم في موقع القرار السياسي.
إن محاولة ولد الرشيد لاستغلال الحدود القانونية الدولية (الطاح-الكويرة) هي تكتيك واضح لنخبة مهيمنة لإضفاء شرعية "الدولة" على مصالحها الخاصة. فبدلاً من أن يكون الحكم الذاتي ورشاً لتقاسم السلطة والمسؤوليات وتعزيز اللامركزية، يتم تحويله إلى أداة لترسيخ مركزية النفوذ في العيون. ويدل غياب رد حكومي صريح على هذا التصريح [8] على أن النخبة الإقليمية استغلت الحساسية القانونية للحدود المتنازع عليها دولياً لفرض تفسيرها الذي يخدم مصالحها، دون أن يكون ذلك بالضرورة توجهاً مركزياً للدولة.
3.3. حصر منافع الحكم الذاتي: التحكم في الموارد المستقبلية
يشكل التحكم في الموارد المستقبلية الهدف الاستراتيجي الأبرز وراء هذا التحديد الجغرافي. نظام الحكم الذاتي في الصحراء سيتضمن صلاحيات واسعة جداً، تشمل إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية [5, 13]، بالإضافة إلى موارد مالية مستقلة تتكون من العائدات المحلية والموارد الطبيعية ومخصصات من ميزانية الدولة.[20]
إن النظام المستقبلي للحكم الذاتي سيعتمد على برلمان منتخب ورئيس حكومة للجهة.[13] والنخبة في العيون تسعى جاهدة لضمان أن تبقى هذه الحكومة تحت سيطرتها المطلقة، وأن تتركز الميزانية والموارد المالية الخاصة بالحكم الذاتي حصراً في أقاليم العيون والداخلة، مما يعزز الفارق التنموي ويثبت دور العيون كقاطرة وحيدة للمنطقة. كما أن الإصرار على أن النزاع يبدأ من الطاح [1] يرسخ رمزية العيون كمركز للقرار السياسي في أي نظام حكم ذاتي قادم، متجاهلاً بذلك أهمية گلميم كـ "باب تاريخي" للصحراء.[2] هذه المحاولات النخبوية لتحويل الورش الوطني إلى أداة لترسيخ الهيمنة الذاتية قد تهدد الانسجام السياسي الداخلي في مرحلة الحسم الاستراتيجي.
IV. البعد الاجتماعي والتاريخي: تهميش المكونات القبلية وتهديد الاندماج
إن أعمق أبعاد هذا الخلاف تكمن في تأثيره على النسيج الاجتماعي والقبلي للمنطقة، وتحديه لمبادئ الدولة المغربية الخاصة بالاندماج والعدالة المجالية.
4.1. الدور التاريخي لقبائل واد نون في الدفاع عن وحدة المغرب
تعتبر جهة گلميم وادنون امتداداً تاريخياً وبشرياً وثقافياً للأقاليم الجنوبية. نخب الجهة تذكر باستمرار بأن گلميم وادنون كانت جزءاً أصيلاً من الامتداد التاريخي للمغرب قبل وأثناء وبعد الحقبة الاستعمارية.[7] هذا الاستحضار التاريخي يهدف إلى دحض منطق ولد الرشيد القائم على الحدود الاستعمارية الضيقة، ويؤكد على مساهمة مكونات قبلية واسعة من واد نون في الدفاع عن وحدة المغرب وتكريسها عبر مراحل تاريخية مختلفة.
إن الإشارة إلى تهميش مكونات قبلية ساهمت في الدفاع عن الوحدة الوطنية يربط الخلاف السياسي الراهن بالذاكرة التاريخية للصحراء. إن قبائل واد نون لديها روابط عائلية وقبلية وثيقة مع القبائل التي تقطن الأقاليم الجنوبية الأخرى، بما في ذلك جهتا العيون والداخلة.[1] ومحاولة الفصل الإداري والجغرافي تقفز على هذه القواسم المشتركة والامتدادات البشرية الراسخة.
4.2. إشكالية العائدين: الاندماج الطوعي مقابل التوطين القسري
يشكل مصير العائدين من مخيمات تندوف حجر الزاوية في الرد السياسي لنخبة گلميم وادنون على تصريحات ولد الرشيد. تشير المعطيات الميدانية إلى أن "شريحة واسعة من المغرر بهم داخل مخيمات تندوف تعود أصولها القبلية إلى جهة كلميم واد نون".[1, 7, 8]
يرى نواب گلميم أن استبعاد الجهة من الحكم الذاتي يؤدي إلى نتائج مرفوضة اجتماعياً وسياسياً. فإذا كان الحكم الذاتي هو الحل السياسي النهائي، فإن استثناء گلميم يعني إما "إقصاء أبناء جهة كلميم واد نون من الاستفادة من الحل السياسي" أو "فرض توطين قسري لهم في جهة أخرى بناء على معيار إداري فقط".[7, 8]
ويشدد هذا التحليل على أن هذا التصور يناقض بشكل جوهري فلسفة "الوطن غفور رحيم" التي أرساها الملك الراحل الحسن الثاني، والتي يُفترض أن الحكم الذاتي هو تجسيد مؤسساتي متقدم لها.[7, 8] فالمبادرة تهدف إلى فتح أبواب العودة الكريمة وتمكين العائدين من تدبير شؤونهم في إطار السيادة المغربية الكاملة، مع ضمان صون كرامتهم وترسيخ انخراطهم في بناء مؤسسات الجهة التي ينتمون إليها تاريخياً واجتماعياً.[7] إن الدعوة إلى توطين قسري تتناقض مع فلسفة الاندماج الطوعي والكرامة التي تتبناها الدولة المغربية.[8]
4.3. العواقب الاجتماعية والسياسية لاستقطاب الهوية
إن استقطاب الهوية القبلية والمجالية في هذه المرحلة يهدد بخطر تفكيك الجبهة الداخلية وتوفير ذخيرة لخصوم الوحدة الترابية لاستغلال الانقسامات الداخلية.[8]
إن الخلاف يتجاوز الحدود الإدارية ليصبح صراعاً حول من يملك الحق في تعريف "المكون الصحراوي" الذي سيتمتع بمؤسسات الحكم الذاتي. نخب العيون تحاول ربط الهوية الصحراوية بشكل حصري بالحدود الاستعمارية للصحراء الغربية، متجاهلة بذلك المكون التاريخي لقبائل واد نون ذات الأصول المشتركة والروابط القبلية والعائلية.[1] هذا التضييق على التعريف يهدف سياسياً إلى تقليل عدد القبائل الممثلة في برلمان الحكم الذاتي المستقبلي [13]، مما يسهل على النخبة المهيمنة التحكم في التوازنات الداخلية للسلطة التشريعية والتنفيذية للجهة.
علاوة على ذلك، فإن تصريحات ولد الرشيد تقوض بشكل مباشر مبدأ العدالة المجالية الذي سعى إليه النموذج التنموي الجديد [9, 11]، وتؤكد أن الأولوية للنفوذ والمركزية الاقتصادية في العيون. ولهذا السبب، فإن الردود من گلميم تصر على أن جهتها تمثل "عمقاً جغرافياً وبشرياً وقبلياً محورياً في قضية الحكم الذاتي".[8]
V. استنتاج: تحديد طبيعة التوجه والتوصيات الاستراتيجية
5.1. الموازنة بين التفسير القانوني الضيق والمصالح السياسية/الاقتصادية
يشير التحليل المعمق لتصريحات رئيس جهة العيون الساقية الحمراء وردود الفعل عليها إلى أن هذا الجدل يمثل نقطة التقاء بين ضرورة الالتزام بالإطار القانوني الدولي الضيق (تفسير "الصحراء الإسبانية" سابقاً) وبين الدوافع النخبوية الإقليمية لتأكيد الهيمنة المجالية.
يمكن تبرير التصريح على المستوى الشكلي القانوني البحت، حيث يخدم التزام المغرب بحدود النزاع المعترف بها دولياً مصداقية مبادرة الحكم الذاتي أمام الأمم المتحدة. إلا أن الدوافع الأساسية للتصريح ترجح كفة استراتيجية النخبة النافذة التي تسعى لتعظيم مصالحها:
1. حماية الهيمنة الاقتصادية: تأكيد احتكار العيون للمكاسب التنموية الكبرى والتركيز الاستثماري الضخم في الطاقة المتجددة.[10, 17]
2. السيطرة السياسية المستقبلية: ضمان تحكم النخبة المسيطرة حالياً (آل الرشيد) في مؤسسات الحكم الذاتي القادمة، وتجنب تقاسم السلطة والصلاحيات الواسعة مع النخب الصاعدة أو التقليدية في گلميم وادنون.[18, 19]
3. إقصاء المكون البشري لـ گلميم: إضعاف الموقف التفاوضي لقبائل گلميم في سياق عودة المحتجزين وتوطينهم، مما يضمن أن تكون إعادة الاندماج والتمثيل السياسي تحت سيطرة النخب التي تسيطر على المجال الجغرافي المعني حصراً.[7, 8]
الخلاصة المرجحة: إن تصريحات سيدي حمدي ولد الرشيد هي في جوهرها تعبير عن استراتيجية نخبة نافذة إقليمياً تحاول توظيف التفسير القانوني الضيق والإطار الأممي كـ "حاجز" جغرافي لترسيم حدود نفوذها الاقتصادي والسياسي، على حساب المبادئ العليا للدولة المغربية التي تؤكد على الوحدة الترابية الشاملة والعدالة المجالية والاندماج الطوعي للعائدين. إن هذا التصريح لا يعكس توجه دولة رسمياً يتناقض مع رؤيتها للوحدة الوطنية، بل يمثل محاولة لاستغلال نفوذ جغرافي وسياسي راسخ لخدمة مصالح خاصة في سياق ورش وطني وسيادي.
5.2. التوصيات الاستراتيجية لتوحيد الخطاب الترابي والسياسي
للحفاظ على قوة الجبهة الداخلية وتعزيز مصداقية الحكم الذاتي كحل سياسي شامل، يوصى بما يلي:
1. التوضيح المؤسساتي العاجل للإطار المجالي: يجب على الدولة المغربية، في سياق "تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي" الذي تم إطلاقه بأمر ملكي [6, 15]، إصدار وثيقة رسمية (أو تعديل دستوري مستقبلي) يحدد بوضوح الإطار المجالي والسيادي للحكم الذاتي. ينبغي إما دمج جميع الجهات الجنوبية (تحت نموذج سيادي موحد يعزز اللامركزية) أو وضع آلية واضحة للتنسيق وتقاسم الموارد والصلاحيات بين الجهات الثلاث، خاصة فيما يتعلق بتمثيل العائدين القادمين من أصول قبلية في گلميم وادنون.
2. تعزيز دور گلميم وادنون التنموي والسياسي: يجب اتخاذ إجراءات ملموسة لضمان استمرارية مشاريع التنمية في گلميم وادنون (كما في مجال الطرق القروية والصحة [11])، والاعتراف بدورها التاريخي والقبلي في سياق قضية الصحراء، مما يساهم في مواجهة السردية الإقصائية والحفاظ على التوازن المجالي وتأكيد دورها كـ "باب تاريخي للصحراء".[2]
3. مراقبة وضبط النفوذ النخبوي الإقليمي: يجب على السلطة المركزية العمل بفاعلية أكبر لضمان أن تبقى الخطابات الصادرة عن المسؤولين الإقليميين في إطار الرؤية السيادية الموحدة للدولة، ومراقبة محاولات النخب الإقليمية لـ "خطف" المشاريع الوطنية الكبرى وتحويلها إلى أدوات لترسيخ الهيمنة الذاتية، وهو ما قد يهدد الانسجام السياسي الداخلي في هذه المرحلة الحاسمة.
#تصريحات_رئيس_جهة_العيون
#حمدي_ولد_الرشيد
#الحكم_الذاتي
#الجهوية_الموسعة
#جهة_گلميم_وادنون
#جهة_العيون_الساقية_الحمراء
#جهة_واد_الذهب
#الصحراء_المغربية
#الصحراء_الغربية
#وادنون
#العيون
#الداخلة
---------------------
المراجع
1. تصريحات رئيس جهة العيون حول الحكم الذاتي تشعل جدلاً واسعاً بأقاليم الصحراء,
3. سيدي حمدي ولد رشيد: القرار 2797.. تتويج مغربي وتاريخ جديد للصحراء,
6. ما بعد 31 أكتوبر 2025: مرحلة جديدة في مسار الحكم الذاتي للصحراء المغربية,
7. رد البرلماني “محمود عبا” على تصريح ولد الرشيد,
10. جهة العيون - الساقية الحمراء.. مشاريع مهيكلة كبرى وتنمية شاملة ومتواصلة - الصحراء 24,
12. ﺍﻷﻣــﻢ ﺍﳌﺘﺤـﺪﺓ - ﳎﻠﺲ ﺍﻷﻣﻦ,
13. فحوى خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء - العربي الجديد,
14. برلمانيو وأعيان القبائل الصحراوية بجهة كلميم- وادنون يشيدون بالدبلوماسية الملكية المتبصرة,
15. بأمر ملكي.. المغرب يعيد رسم تفاصيل الحكم الذاتي ويطلق مشاورات وطنية كبرى,
16. جهة كلميم واد نون...فصل المقال فيما بين بنبعيدة والقانون من "انفصال" - الداخلة نيوز,
17. إمكانات هائلة وفرص واعدة في مجال الطاقات المتجددة بالعيون - الساقية الحمراء - مجلة المحيط الفلاحي,
18. الإطار محمد ولد حمدي ولد الرشيد.. قائد سياسي بامتياز ورائد تنمية الأقاليم الجنوبية بالمغرب,
19. هل تقود أيت أوسى جهة كلميم واد نون؟ قراءة في التحول القبلي وصعود النخبة الجديدة - الجالية,
20. أبرز مضامين مبادرة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء عام 2007 | الموسوعة - الجزيرة نت,

بسم الله الرحمان الرحيم
يجب أن تعلم عزيزي المتصفح بأن هذه المدونة تشاركية وليست ربحية، والهدف من إنشائها هو تسليط الضوء على الثقافة الحسانية، والتراث الحساني بكل أشكاله. ولكي تعم الاستفادة منها نطلب منك ما يلي:
- أولا: المساهمة في إنشاء محتوى هذا الموقع؛ سواء بكتابة المقالات، إن كنت باحثا، أو مهتما. مع التعهد بحفظنا لكل حقوقك الأدبية وتذييل كل مشاركاتك بالاسم الذي تختاره
- ثانيا: نرحب بكل الإفادات والمعلومات التي يمكن أن تساهم في الرفع من مستوى المحتوى العام لهذه المدونة؛ سواء كان ذلك بتضمينها في تعليقاتكم أو بإرسالكم لها عبر بريدنا الخاص، أو عبر صفحاتنا، ويشمل ذلك كل المعلومات المكتوبة، أو الوثائق، أو التسجيلات الصوتية أو المرئية لشيوخ يحفظون الكثير من التراث الشفهي والمحكي عبر الأجيال.
- ثالثا: عطفا على التعليقات يطلب منك عزيزي المتصفح الالتزام في تعليقاتك بمراعاة احترام الأشخاص والقيّم والمقدسات، ومناقشة الأفكار دون تسفيه أو سب للآخرين، مع احترام كل الآراء.